فصل: فَصْلٌ: (الدُّخُولُ فِي الرِّضَا شَرْطٌ فِي رُجُوعِ النَّفْسِ إِلَى رَبِّهَا):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: [شَرْطُ الرِّضَا]:

وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا أَلَّا يُحِسَّ بِالْأَلَمِ وَالْمَكَارِهِ، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا أَلَّا يُحِسَّ بِالْأَلَمِ وَالْمَكَارِهِ. بَلْ أَلَّا يَعْتَرِضَ عَلَى الْحُكْمِ وَلَا يَتَسَخَّطَهُ. وَلِهَذَا أُشْكِلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ، وَطَعَنُوا فِيهِ. وَقَالُوا: هَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى الطَّبِيعَةِ. وَإِنَّمَا هُوَ الصَّبْرُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الرِّضَا وَالْكَرَاهَةُ؟ وَهُمَا ضِدَّانِ.
وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ وُجُودَ التَّأَلُّمِ وَكَرَاهَةَ النَّفْسِ لَهُ لَا يُنَافِي الرِّضَا، كَرِضَا الْمَرِيضِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ الْكَرِيهِ، وَرِضَا الصَّائِمِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحَرِّ بِمَا يَنَالُهُ مِنْ أَلَمِ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ، وَرِضَا الْمُجَاهِدِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ، وَغَيْرِهَا.
وَطَرِيقُ الرِّضَا طَرِيقٌ مُخْتَصَرَةٌ، قَرِيبَةٌ جِدًّا، مُوصِلَةٌ إِلَى أَجَلِّ غَايَةٍ. وَلَكِنَّ فِيهَا مَشَقَّةً. وَمَعَ هَذَا فَلَيْسَتْ مَشَقَّتُهَا بِأَصْعَبَ مِنْ مَشَقَّةِ طَرِيقِ الْمُجَاهِدَةِ. وَلَا فِيهَا مِنَ الْعَقَبَاتِ وَالْمَفَاوِزِ مَا فِيهَا. وَإِنَّمَا عَقَبَتُهَا هِمَّةٌ عَالِيَةٌ. وَنَفْسٌ زَكِيَّةٌ، وَتَوْطِينُ النَّفْسِ عَلَى كُلِّ مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ اللَّهِ.
وَيُسَهِّلُ ذَلِكَ عَلَى الْعَبْدِ: عِلْمُهُ بِضَعْفِهِ وَعَجْزِهِ وَرَحْمَتُهُ بِهِ، وَشَفَقَتُهُ عَلَيْهِ، وَبِرُّهُ بِهِ، فَإِذَا شَهِدَ هَذَا وَهَذَا، وَلَمْ يَطْرَحْ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَرْضَى بِهِ وَعَنْهُ، وَتَنْجَذِبْ دَوَاعِي حُبِّهِ وَرِضَاهُ كُلُّهَا إِلَيْهِ: فَنَفْسُهُ نَفْسٌ مَطْرُودَةٌ عَنِ اللَّهِ، بَعِيدَةٌ عَنْهُ. لَيْسَتْ مُؤَهَّلَةً لِقُرْبِهِ وَمُوَالَاتِهِ، أَوْ نَفْسٌ مُمْتَحَنَةٌ مُبْتَلَاةٌ بِأَصْنَافِ الْبَلَايَا وَالْمِحَنِ.
فَطَرِيقُ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ: تُسَيِّرُ الْعَبْدَ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِهِ. فَيُصْبِحُ أَمَامَ الرَّكْبِ بِمَرَاحِلَ.
وَثَمَرَةُ الرِّضَا: الْفَرَحُ وَالسُّرُورُ بِالرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَرَأَيْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ- قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ- فِي الْمَنَامِ. وَكَأَنِّي ذَكَرْتُ لَهُ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْقَلْبِ. وَأَخَذْتُ فِي تَعْظِيمِهِ وَمَنْفَعَتِهِ- لَا أَذْكُرُهُ الْآنَ- فَقَالَ: أَمَّا أَنَا فَطَرِيقَتِيَ: الْفَرَحُ بِاللَّهِ، وَالسُّرُورُ بِهِ، أَوْ نَحْوَ هَذَا مِنَ الْعِبَارَةِ.
وَهَكَذَا كَانَتْ حَالُهُ فِي الْحَيَاةِ. يَبْدُو ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَيُنَادِي بِهِ عَلَيْهِ حَالُهُ. لَكِنْ قَدْقَالَ الْوَاسِطِيٌّ: اسْتَعْمِلِ الرِّضَا جُهْدَكَ. وَلَا تَدَعِ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُكِ، فَتَكُونَ مَحْجُوبًا بِلَذَّتِهِ وَرُؤْيَتِهِ عَنْ حَقِيقَةِ مَا تُطَالِعُ.
وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْوَاسِطِيُّ هُوَ عَقَبَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ الْقَوْمِ، وَمَقْطَعٌ لَهُمْ. فَإِنَّ مُسَاكَنَةَ الْأَحْوَالِ، وَالسُّكُونَ إِلَيْهَا، وَالْوُقُوفَ عِنْدَهَا اسْتِلْذَاذًا وَمَحَبَّةً: حِجَابٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَبِّهِمْ بِحُظُوظِهِمْ عَنْ مُطَالَعَةِ حُقُوقِ مَحْبُوبِهِمْ وَمَعْبُودِهِمْ. وَهِيَ عَقْبَةٌ لَا يَحُوزُهَا إِلَّا أُولُو الْعَزَائِمِ.
وَكَانَ الْوَاسِطِيُّ كَثِيرَ التَّحْذِيرِ مِنْ هَذِهِ الْعَقَبَةِ. شَدِيدَ التَّنْبِيهِ عَلَيْهَا.
وَمِنْ كَلَامِهِ: إِيَّاكُمْ وَاسْتِحْلَاءَ الطَّاعَاتِ. فَإِنَّهَا سُمُومٌ قَاتِلَةٌ.
فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: اسْتَعْمِلِ الرِّضَا جُهْدَكَ. وَلَا تَدَعِ الرِّضَا يَسْتَعْمِلُكَ أَيْ لَا يَكُونُ عَمَلُكَ لِأَجْلِ حُصُولِ حَلَاوَةِ الرِّضَا، بِحَيْثُ تَكُونُ هِيَ الْبَاعِثَةَ لَكَ عَلَيْهِ. بَلِ اجْعَلْهُ آلَةً لَكَ وَسَبَبًا مُوصِلًا إِلَى قَصْدِكَ وَمَطْلُوبِكَ. فَتَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهُ، لَا أَنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لَكَ.
وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِالرِّضَا، بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ الْقَلْبِيَّةِ الَّتِي يَسْكُنُ إِلَيْهَا الْقَلْبُ، حَتَّى إِنَّهُ أَيْضًا لَا يَكُونُ عَامِلًا عَلَى الْمَحَبَّةِ لِأَجْلِ الْمَحَبَّةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ اللَّذَّةِ وَالسُّرُورِ وَالنَّعِيمِ بِهِ. بَلْ يَسْتَعْمِلُ الْمَحَبَّةَ فِي مَرْضَاةِ الْمَحْبُوبِ، لَا يَقِفُ عِنْدَهَا. فَهَذَا مِنْ عِلَلِ الْمَحَبَّةِ.
وَقَالَ ذُو النُّونِ: ثَلَاثَةٌ مِنْ أَعْلَامِ الرِّضَا عَلَامَاتُ الرِّضَا: تَرْكُ الِاخْتِيَارِ قَبْلَ الْقَضَاءِ، وَفُقْدَانُ الْمَرَارَةِ بَعْدَ الْقَضَاءِ. وَهَيَجَانُ الْحُبِّ فِي حَشْوِ الْبَلَاءِ.
وَقِيلَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: الْفَقْرُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْغِنَى، وَالسَّقَمُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصِّحَّةِ. فَقَالَ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ. أَمَّا أَنَا، فَأَقُولُ: مَنِ اتَّكَلَ عَلَى حُسْنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ لَمْ يَتَمَنَّ غَيْرَ مَا اخْتَارَ اللَّهُ لَهُ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ لِـ بِشْرٍ الْحَافِيِّ: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا. لِأَنَّ الرَّاضِيَ لَا يَتَمَنَّى فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ.
وَسُئِلَ أَبُو عُثْمَانَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ» فَقَالَ: لِأَنَّ الرِّضَا قَبْلَ الْقَضَا عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا. وَالرِّضَا بَعْدَ الْقَضَا هُوَ الرِّضَا.
وَقِيلَ: الرِّضَا تَعْرِيفَاتُ الرِّضَا ارْتِفَاعُ الْجَزَعِ فِي أَيِّ حُكْمٍ كَانَ.
وَقِيلَ: رَفْعُ الِاخْتِيَارِ. وَقِيلَ: اسْتِقْبَالُ الْأَحْكَامِ بِالْفَرَحِ.
وَقِيلَ: سُكُونُ الْقَلْبِ تَحْتَ مَجَارِي الْأَحْكَامِ.
وَقِيلَ: نَظَرُ الْقَلْبِ إِلَى قَدِيمِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ. وَهُوَ تَرْكُ السَّخَطِ.
وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ فِي الرِّضَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَرْضَى وَإِلَّا فَاصْبِرْ.
وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الدَّقَّاقُ: الْإِنْسَانُ خَزَفٌ. وَلَيْسَ لِلْخَزَفِ مِنَ الْخَطَرِ مَا يُعَارِضُ فِيهِ حُكْمَ الْحَقِّ تَعَالَى.
وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَا أَقَامَنِي اللَّهُ فِي حَالٍ فَكَرِهْتُهُ، وَمَا نَقَلَنِي إِلَى غَيْرِهِ فَسَخِطْتُهُ.
وَالرِّضَا ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: رِضَا الْعَوَّامِّ بِمَا قَسَمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ. وَرِضَا الْخَوَاصِّ بِمَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ. وَرِضَا خَوَاصِّ الْخَوَاصِّ بِهِ بَدَلًا مِنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ.

.فَصْلٌ: [الدُّخُولُ فِي الرِّضَا شَرْطٌ فِي رُجُوعِ النَّفْسِ إِلَى رَبِّهَا]:

قَالَ صَاحِبُ الْمَنَازِلِ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} لَمْ يَدَعْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْمُتَسَخِّطِ إِلَيْهِ سَبِيلًا. وَشَرْطُ الْقَاصِدِ الدُّخُولُ فِي الرِّضَا. وَالرِّضَا اسْمٌ لِلْوُقُوفِ الصَّادِقِ، حَيْثُمَا وَقَفَ الْعَبْدُ. لَا يَلْتَمِسُ مُتَقَدَّمًا وَلَا مُتَأَخَّرًا، وَلَا يَسْتَزِيدُ مَزِيدًا. وَلَا يَسْتَبْدِلُ حَالًا. وَهُوَ مِنْ أَوَائِلِ مَسَالِكِ أَهْلِ الْخُصُوصِ. وَأَشَقِّهَا عَلَى الْعَامَّةِ.
أَمَّا قَوْلُهُ: لَمْ يَدَعْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْمُتَسَخِّطِ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَلِأَنَّهُ قَيَّدَ رُجُوعَهَا إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِحَالٍ. وَهُوَ وَصْفُ الرِّضَا. فَلَا سَبِيلَ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهِ مَعَ سَلْبِ ذَلِكَ الْوَصْفِ عَنْهَا. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. فَإِنَّمَا أَوْجَبَ لَهُمْ هَذَا السَّلَامَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبِشَارَةَ بِقَيْدٍ، وَهُوَ وَفَاتُهُمْ طَيِّبِينَ. فَلَمْ تُبْقِ الْآيَةُ لِغَيْرِ الطَّيِّبِ سَبِيلًا إِلَى هَذِهِ الْبِشَارَةِ.
وَالْحَاصِلُ: أَنْ الدُّخُولَ فِي الرِّضَا شَرْطٌ فِي رُجُوعِ النَّفْسِ إِلَى رَبِّهَا. فَلَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ رَاضِيَةً.
قُلْتُ: هَذَا تَعَلُّقٌ بِإِشَارَةِ الْآيَةِ، لَا بِالْمُرَادِ مِنْهَا. فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهَا: رِضَاهَا بِمَا حَصَلَ لَهَا مِنْ كَرَامَتِهِ. وَبِمَا نَالَتْهُ مِنْهَا عِنْدَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ. فَحَصَلَ لَهَا رِضَاهَا، وَالرِّضَا عَنْهَا. وَهَذَا يُقَالُ لَهَا عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنْ دَارِ الدُّنْيَا، وَقُدُومِهَا عَلَى اللَّهِ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِذَا تُوُفِّيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ. وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بِتُحْفَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ. فَيُقَالُ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، اخْرُجِي إِلَى رُوحٍ وَرَيْحَانٍ، وَرَبٍّ عَنْكِ رَاضٍ.
وَفِي وَقْتِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلسَّلَفِ.
أَحَدُهَا: أَنَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَهُوَ الْأَشْهَرُ. قَالَ الْحَسَنُ: إِذَا أَرَادَ قَبْضَهَا اطْمَأَنَّتْ إِلَى رَبِّهَا. وَرَضِيَتْ عَنِ اللَّهِ، فَيَرْضَى اللَّهُ عَنْهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْبَعْثِ. هَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَالضَّحَّاكِ وَجَمَاعَةٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْكَلِمَةُ الْأُولَى وَهِيَ {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} تُقَالُ لَهَا عِنْدَ الْمَوْتِ. وَالْكَلِمَةُ الثَّانِيَةُ- وَهِيَ {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} تُقَالُ لَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} هَذَا عِنْدَ خُرُوجِهَا مِنَ الدُّنْيَا. فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لَهَا {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}
وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُقَالُ لَهَا عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ. فَإِنَّ أَوَّلَ بَعْثِهَا عِنْدَ مُفَارَقَتِهَا الدُّنْيَا، وَحِينَئِذٍ فَهِيَ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى، إِنْ كَانَتْ مُطْمَئِنَّةً إِلَى اللَّهِ، وَفِي جَنَّتِهِ. كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ. فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ. وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ تَمَامُ الرُّجُوعِ إِلَى اللَّهِ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ.
فَأَوَّلُ ذَلِكَ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَتَمَامُهُ وَنِهَايَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلَا اخْتِلَافَ فِي الْحَقِيقَةِ.
وَلَكِنَّ الشَّيْخَ أَخَذَ مِنْ إِشَارَةِ الْآيَةِ: أَنَّ رُجُوعَهَا إِلَى اللَّهِ مِنَ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْعَالَمِ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِرِضَاهَا. وَلَكِنْ لَوِ اسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ فِي مَقَامِ الطُّمَأْنِينَةِ لَكَانَ أَوْلَى، فَإِنَّ هَذَا الرُّجُوعَ الَّذِي حَصَلَ لَهَا فِيهِ رِضَاهَا وَالرِّضَا عَنْهَا: إِنَّمَا نَالَتْهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ. وَهُوَ حَظُّ الْكَسْبِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ، وَمَوْضِعُ التَّنْبِيهِ عَلَى مَوْقِعِ الطُّمَأْنِينَةِ، وَمَا يَحْصُلُ لِصَاحِبِهَا. فَلْنَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ كَلَامِهِ.
قَوْلُهُ: الرِّضَا هُوَ الْوُقُوفُ الصَّادِقُ. يُرِيدُ بِهِ الْوُقُوفَ مَعَ مُرَادِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الدِّينِيَّ حَقِيقَةً، مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ فِي ذَلِكَ وَلَا مُعَارَضَةٍ. وَهَذَا مَطْلُوبُ الْقَوْمِ السَّابِقِينَ. وَهُوَ الْوُقُوفُ الصَّادِقُ مَعَ مَحَابِّ الرَّبِّ تَعَالَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشُوبَ ذَلِكَ تُرَدُّدٌ، وَلَا يُزَاحِمَهُ مُرَادٌ.
قَوْلُهُ: حَيْثُمَا وَقَفَ الْعَبْدُ. يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ فَاعِلًا. أَيْ حَيْثُ مَا وَقَفَ بِإِذْنِ رَبِّهِ لَا يَلْتَمِسُ تَقَدُّمًا وَلَا تَأَخُّرًا. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا، وَهُوَ أَظْهَرُ. أَيْ حَيْثُمَا وَقَفَ اللَّهُ الْعَبْدَ- فَإِنَّ وَقَفَ يُسْتَعْمَلُ لَازِمًا وَمُتَعَدِّيًا- أَيْ حَيْثُمَا وَقَفَهُ رَبُّهُ. لَا يَطْلُبُ تَقَدُّمًا وَلَا تَأَخُّرًا. وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا يَقِفُهُ فِيهِ مِنْ مُرَادِهِ الْكَوْنِيِّ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ. وَأَمَّا إِذَا وَقَفَهُ فِي مُرَادٍ دِينِيٍّ، فَكَمَالُهُ بِطَلَبِ التَّقَدُّمِ فِيهِ دَائِمًا. فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ تَكُنْ هِمَّتُهُ التَّقَدُّمَ إِلَى اللَّهِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ: رَجَعَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي. فَلَا وُقُوفَ فِي الطَّرِيقِ أَلْبَتَّةَ، وَلَكِنْ إِذَا وَقَفَ فِي مَقَامٍ- مِنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالرَّاحَةِ وَالتَّعَبِ، وَالْعَافِيَةِ وَالسَّقَمِ، وَالِاسْتِيطَانِ وَمُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ- يَقِفُ حَيْثُ وَقَفَهُ. لَا يَطْلُبُ غَيْرَ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي أَقَامَهُ اللَّهُ فِيهَا. وَهَذَا لِتَصْحِيحِ رِضَاهُ بِاخْتِيَارِ اللَّهِ لَهُ، وَالْفِنَاءِ بِهِ عَنِ اخْتِيَارِهِ لِنَفْسِهِ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا يَسْتَزِيدُ مَزِيدًا، وَلَا يَسْتَبْدِلُ حَالًا.
هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الرِّضَا، وَهُوَ الرِّضَا بِالْأَقْسَامِ وَالْأَحْكَامِ الْكَوْنِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُؤْمَرُ بِمُدَافَعَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ مِنْ أَوَائِلِ مَسَالِكِ أَهْلِ الْخُصُوصِ يَعْنِي أَنَّ سُلُوكَ أَهْلِ الْخُصُوصِ: هُوَ بِالْخُرُوجِ عَنِ النَّفْسِ، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْإِرَادَةِ: هُوَ مَبْدَأُ الْخُرُوجِ عَنِ النَّفْسِ. فَإِذَا الرِّضَا- بِهَذَا الِاعْتِبَارِ- مِنْ أَوَائِلِ مَسَالِكِ الْخَاصَّةِ.
وَهَذَا عَلَى أَصْلِهِ فِي كَوْنِ الْفَنَاءِ غَايَةً مَطْلُوبَةً فَوْقَ الرِّضَا.
وَالصَّوَابُ: أَنَّ الرِّضَا أَجَلُّ مِنْهُ وَأَعْلَى. وَهُوَ غَايَةٌ لَا بِدَايَةٌ.
نَعَمْ فَوْقَهُ مَقَامُ الشُّكْرِ فَهُوَ مَنْزِلَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْزِلَةِ الصَّبْرِ.
وَقَوْلُهُ: وَأَشَقِّهَا عَلَى الْعَامَّةِ وَذَلِكَ لِمَشَقَّةِ الْخُرُوجِ عَنِ الْحُظُوظِ عَلَى الْعَامَّةِ، وَالرِّضَا أَوَّلُ مَا فِيهِ: الْخُرُوجُ عَنِ الْحُظُوظِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: دَرَجَاتُ الرِّضَا:

.[الدَّرَجَةُ الْأُولَى رِضَا الْعَامَّةِ]:

قَالَ: وَهُوَ عَلَى ثَلَاثِ دَرَجَاتٍ. الدَّرَجَةُ الْأُولَى: رِضَا الْعَامَّةِ. وَهُوَ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَتَسَخُّطُ عِبَادَةِ مَا دُونِهِ، وَهَذَا قُطْبُ رَحَى الْإِسْلَامِ. وَهُوَ يُطَهِّرُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ.
الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا: أَنْ لَا يَتَّخِذَ رَبًّا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْكُنُ إِلَى تَدْبِيرِهِ. وَيُنْزِلُ بِهِ حَوَائِجَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: سَيِّدًا وَإِلَهًا. يَعْنِي فَكَيْفَ أَطْلُبُ رَبًّا غَيْرَهُ، وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ؟ وَقَالَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} يَعْنِي مَعْبُودًا وَنَاصِرًا وَمُعِينًا وَمَلْجَأً. وَهُوَ مِنَ الْمُوَالَاةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْحُبَّ وَالطَّاعَةَ. وَقَالَ فِي وَسَطِهَا {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا} أَيْ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي مَنْ يَحْكُمُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، فَنَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ فِيمَا اخْتَلَفْنَا فِيهِ؟ وَهَذَا كِتَابُهُ سَيِّدُ الْحُكَّامِ، فَكَيْفَ نَتَحَاكَمُ إِلَى غَيْرِ كِتَابِهِ؟ وَقَدْ أَنْزَلَهُ مُفَصَّلًا، مُبَيَّنًا كَافِيًا شَافِيًا.
وَأَنْتَ إِذَا تَأَمَّلْتَ هَذِهِ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ حَقَّ التَّأَمُّلِ، رَأَيْتَهَا هِيَ نَفْسَ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا، وَرَأَيْتَ الْحَدِيثَ يُتَرْجِمُ عَنْهَا، وَمُشْتَقًّا مِنْهَا. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَرْضَى بِاللَّهِ رَبًّا، وَلَا يَبْغِي رَبًّا سِوَاهُ، لَكِنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ وَحْدَهُ وَلِيًّا وَنَاصِرًا. بَلْ يُوَالِي مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُمْ يُقَرِّبُونَهُ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّ مُوَالَاتَهُمْ كَمُوَالَاةِ خَوَاصِّ الْمَلِكِ. وَهَذَا عَيْنُ الشِّرْكِ. بَلِ التَّوْحِيدُ: أَنْ لَا يَتَّخِذَ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ. وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْ وَصْفِ الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمُ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ.
وَهَذَا غَيْرُ مُوَالَاةِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ، وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ. فَإِنَّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ وَمِنْ تَمَامِ مُوَالَاتِهِ. فَمُوَالَاةُ أَوْلِيَائِهِ لَوْنٌ وَاتِّخَاذُ الْوَلِيِّ مِنْ دُونِهِ لَوْنٌ. وَمَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْفُرْقَانَ بَيْنَهُمَا فَلْيَطْلُبِ التَّوْحِيدَ مِنْ أَسَاسِهِ. فَإِنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ أَصْلُ التَّوْحِيدِ وَأَسَاسُهُ.
وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَبْتَغِي غَيْرَهُ حَكَمًا، يَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ، وَيُخَاصِمُ إِلَيْهِ، وَيَرْضَى بِحُكْمِهِ. وَهَذِهِ الْمَقَامَاتُ الثَّلَاثُ هِيَ أَرْكَانُ التَّوْحِيدِ: أَنْ لَا يَتَّخِذَ سِوَاهُ رَبًّا، وَلَا إِلَهًا، وَلَا غَيْرَهُ حَكَمًا.
وَتَفْسِيرُ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا: أَنْ يَسْخَطَ عِبَادَةَ مَا دُونَهُ. هَذَا هُوَ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا. وَهُوَ مِنْ تَمَامِ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا. فَمَنْ أُعْطِيَ الرِّضَا بِهِ رَبًّا حَقُّهُ سُخْطُ عِبَادَةِ مَا دُونَهُ قَطْعًا. لِأَنَّ الرِّضَا بِتَجْرِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ يَسْتَلْزِمُ تَجْرِيدَ عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّ الْعِلْمَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الْعِلْمَ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ قُطْبُ رَحَى الْإِسْلَامِ يَعْنِي أَنَّ مَدَارَ رَحَى الْإِسْلَامِ عَلَى أَنْ يَرْضَى الْعَبْدُ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ وَحْدَهُ، وَأَنْ يَسْخَطَ عِبَادَةَ غَيْرِهِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْعِبَادَةَ هِيَ الْحُبُّ مَعَ الذُّلِّ. فَكُلُّ مَنْ ذَلَلْتَ لَهُ وَأَطَعْتَهُ وَأَحْبَبْتَهُ دُونَ اللَّهِ، فَأَنْتَ عَابِدٌ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: وَهُوَ يُطَهِّرُ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ. يَعْنِي أَنَّ الشِّرْكَ نَوْعَانِ: أَكْبَرُ، وَأَصْغَرُ، فَهَذَا الرِّضَا يُطَهِّرُ صَاحِبَهُ مِنَ الْأَكْبَرِ. وَأَمَّا الْأَصْغَرُ: فَيُطَهِّرُ مِنْهُ نُزُولُهُ مَنْزِلَةَ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.

.فَصْلٌ: [مَا يَصِحُّ بِهِ الرِّضَا]:

قَالَ وَهُوَ يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْعَبْدِ. وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالتَّعْظِيمِ، وَأَحَقَّ الْأَشْيَاءِ بِالطَّاعَةِ.
يَعْنِي أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الرِّضَا إِنَّمَا يَصِحُّ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَيْضًا.
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَحَبَّ شَيْءٍ إِلَى الْعَبْدِ. وَهَذِهِ تُعْرَفُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَيْضًا.
أَحَدُهَا: أَنْ تَسْبِقَ مَحَبَّتُهُ إِلَى الْقَلْبِ كُلَّ مَحَبَّةٍ. فَتَتَقَدَّمَ مَحَبَّتُهُ الْمَحَابَّ كُلَّهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَقْهَرَ مَحَبَّتُهُ كُلَّ مَحَبَّةٍ. فَتَكُونَ مَحَبَّتُهُ إِلَى الْقَلْبِ سَابِقَةً قَاهِرَةً، وَمَحَبَّةُ غَيْرِهِ مُتَخَلِّفَةً مَقْهُورَةً مَغْلُوبَةً مُنْطَوِيَةً فِي مَحَبَّتِهِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ مَحَبَّةُ غَيْرِهِ تَابِعَةً لِمَحَبَّتِهِ. فَيَكُونَ هُوَ الْمَحْبُوبَ بِالذَّاتِ وَالْقَصْدَ الْأَوَّلَ. وَغَيْرُهُ مَحُبُوبًا تَبَعًا لِحُبِّهِ. كَمَا يُطَاعُ تَبَعًا لِطَاعَتِهِ. فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ الْمُطَاعُ الْمَحْبُوبُ.
وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ فِي كَوْنِهِ أَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالتَّعْظِيمِ وَالطَّاعَةِ أَيْضًا.
فَالْحَاصِلُ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَحْدَهُ الْمَحْبُوبَ الْمُعَظَّمَ الْمُطَاعَ. فَمَنْ لَمْ يُحِبَّهُ وَلَمْ يُطِعْهُ. وَلَمْ يُعَظِّمْهُ: فَهُوَ مُتَكَبِّرٌ عَلَيْهِ. وَمَتَى أَحَبَّ مَعَهُ سِوَاهُ، وَعَظَّمَ مَعَهُ سِوَاهُ، وَأَطَاعَ مَعَهُ سِوَاهُ: فَهُوَ مُشْرِكٌ. وَمَتَى أَفْرَدَهُ وَحْدَهُ بِالْحُبِّ وَالتَّعْظِيمِ وَالطَّاعَةِ فَهُوَ عَبْدٌ مُوَحِّدٌ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: [الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ]:

قَالَ: الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ: الرِّضَا عَنِ اللَّهِ. وَبِهَذَا نَطَقَتْ آيَاتُ التَّنْزِيلِ. وَهُوَ الرِّضَا عَنْهُ فِي كُلِّ مَا قَضَى وَقَدَّرَ. وَهَذَا مِنْ أَوَائِلِ مَسَالِكِ أَهْلِ الْخُصُوصِ.
الشَّيْخُ جَعَلَ هَذِهِ الدَّرَجَةَ أَعْلَى مِنَ الدَّرَجَةِ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَوَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى. فَإِذَا اسْتَقَرَّ قَدَمُهُ عَلَيْهَا دَخَلَ فِي مَقَامِ الْإِسْلَامِ.
وَأَمَّا هَذِهِ الدَّرَجَةُ: فَمِنْ مُعَامَلَاتِ الْقُلُوبِ. وَهِيَ لِأَهْلِ الْخُصُوصِ. وَهِيَ الرِّضَا عَنْهُ فِي أَحْكَامِهِ وَأَقْضِيَتِهِ.
وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَسَالِكِ أَهْلِ الْخُصُوصِ لِأَنَّهُ مُقَدِّمَةٌ لِلْخُرُوجِ عَنِ النَّفْسِ، وَالَّذِي هُوَ طَرِيقُ أَهْلِ الْخُصُوصِ، فَمُقَدِّمَتُهُ بِدَايَةُ سُلُوكِهِمْ. لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ خُرُوجَ الْعَبْدِ عَنْ حُظُوظِهِ، وَوُقُوفَهُ مَعَ مُرَادِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. لَا مَعَ مُرَادِ نَفْسِهِ.
هَذَا تَقْرِيرُ كَلَامِهِ. وَفِي جَعْلِهِ هَذِهِ الدَّرَجَةَ أَعْلَى مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا نَظَرٌ لَا يَخْفَى، وَهُوَ نَظِيرُ جَعْلِهِ الصَّبْرَ بِاللَّهِ أَعْلَى مِنَ الصَّبْرِ لِلَّهِ.
وَالَّذِي يَنْبَغِي: أَنْ تَكُونَ الدَّرَجَةُ الْأَوْلَى أَعْلَى شَأْنًا وَأَرْفَعَ قَدْرًا. فَإِنَّهَا مُخْتَصَّةٌ وَهَذِهِ الدَّرَجَةُ مُشْتَرَكَةٌ. فَإِنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ يَصِحُّ مِنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ. وَغَايَتُهُ التَّسْلِيمُ لِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ. فَأَيْنَ هَذَا مِنَ الرِّضَا بِهِ رَبًّا وَإِلَهًا وَمَعْبُودًا؟
وَأَيْضًا فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا فَرْضٌ. بَلْ هُوَ مِنْ آكَدِ الْفُرُوضِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ. فَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إِسْلَامٌ وَلَا عَمَلٌ وَلَا حَالٌ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِقَضَائِهِ: فَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَقِيلَ: بَلْ هُوَ وَاجِبٌ، وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
فَالْفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ فَرْقُ مَا بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّدْبِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْإِلَهِيِّ الصَّحِيحِ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «مَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ أَفْضَلُ وَأَعْلَى مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ الرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ الرِّضَا عَنْهُ، وَيَسْتَلْزِمُهُ. فَإِنَّ الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ: هُوَ رِضَا الْعَبْدِ بِمَا يَأْمُرُهُ بِهِ، وَيَنْهَاهُ عَنْهُ، وَيَقْسِمُهُ لَهُ وَيُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ، وَيُعْطِيهِ إِيَّاهُ، وَيَمْنَعُهُ مِنْهُ. فَمَتَى لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ. وَإِنْ كَانَ رَاضِيًا بِهِ رَبًّا مِنْ بَعْضِهَا. فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ: يَسْتَلْزِمُ الرِّضَا عَنْهُ، وَيَتَضَمَّنُهُ بِلَا رَيْبٍ.
وَأَيْضًا: فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا مُتَعَلِّقٌ بِذَاتِهِ، وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَرُبُوبِيَّتِهِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، فَهُوَ الرِّضَا بِهِ خَالِقًا وَمُدَبِّرًا، وَآمِرًا وَنَاهِيًا، وَمَلِكًا , وَمُعْطِيًا وَمَانِعًا، وَحَكَمًا، وَوَكِيلًا وَوَلِيًّا، وَنَاصِرًا وَمُعِينًا، وَكَافِيًا وَحَسِيبًا وَرَقِيبًا، وَمُبْتَلِيًا وَمُعَافِيًا، وَقَابِضًا وَبَاسِطًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ.
وَأَمَّا الرِّضَا عَنْهُ: فَهُوَ رِضَا الْعَبْدِ بِمَا يَفْعَلُهُ بِهِ، وَيُعْطِيهِ إِيَّاهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجِئْ إِلَّا فِي الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} فَهَذَا بِرِضَاهَا عَنْهُ لِمَا حَصَلَ لَهَا مِنْ كَرَامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}.
وَالرِّضَا بِهِ: أَصْلُ الرِّضَا عَنْهُ، وَالرِّضَا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضَا بِهِ.
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الرِّضَا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. وَالرِّضَا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوَابِهِ وَجَزَائِهِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الْإِيمَانِ بِمَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَنْ رَضِيَ عَنْهُ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا» فَجَعَلَ الرِّضَا بِهِ قَرِينَ الرِّضَا بِدِينِهِ وَنَبِيِّهِ. وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ هِيَ أُصُولُ الْإِسْلَامِ، الَّتِي لَا يَقُومُ إِلَّا بِهَا وَعَلَيْهَا.
وَأَيْضًا: فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ وَعِبَادَتَهُ، وَالْإِنَابَةَ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وَخَوْفَهُ وَرَجَاءَهُ وَمَحَبَّتَهُ، وَالصَّبْرَ لَهُ وَبِهِ. وَالشُّكْرُ عَلَى نِعَمِهِ: يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ مَا مِنْهُ نِعْمَةً وَإِحْسَانًا، وَإِنْ سَاءَ عَبْدُهُ. فَالرِّضَا بِهِ يَتَضَمَّنُ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَالرِّضَا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهَادَةَ أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَالرِّضَا بِالْإِسْلَامِ دِينًا: يَتَضَمَّنُ الْتِزَامَ عُبُودِيَّتِهِ، وَطَاعَتَهُ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الدِّينَ كُلَّهُ.
وَأَيْضًا: فَالرِّضَا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ اتِّخَاذَهُ مَعْبُودًا دُونَ مَا سِوَاهُ. وَاتِّخَاذَهُ وَلِيًّا وَمَعْبُودًا، وَإِبْطَالَ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَاهُ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِرَسُولِهِ {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} وقال: {أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا} وقال: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}. فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الرِّضَا بِهِ رَبًّا.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ جَعَلَ حَقِيقَةَ الرِّضَا بِهِ رَبًّا: أَنْ يَسْخَطَ عِبَادَةَ مَا دُونَهُ. فَمَتَى سَخِطَ الْعَبْدُ عِبَادَةَ مَا سِوَى اللَّهِ مِنَ الْآلِهَةِ الْبَاطِلَةِ، حُبًّا وَخَوْفًا، وَرَجَاءً وَتَعْظِيمًا، وَإِجْلَالًا- فَقَدْ تَحَقَّقَ بِالرِّضَا بِهِ رَبًّا، الَّذِي هُوَ قُطْبُ رَحَى الْإِسْلَامِ.
وَإِنَّمَا كَانَ قُطْبَ رَحَى الدِّينِ لِأَنَّ جَمِيعَ الْعَقَائِدِ وَالْأَعْمَالِ، وَالْأَحْوَالِ: إِنَّمَا تَنْبَنِي عَلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْعِبَادَةِ، وَسُخْطِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ. فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الْقُطْبُ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَحًى تَدُورُ عَلَيْهِ. وَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذَا الْقُطْبُ ثَبَتَتْ لَهُ الرَّحَى. وَدَارَتْ عَلَى ذَلِكَ الْقُطْبِ. فَيَخْرُجُ حِينَئِذٍ مِنْ دَائِرَةِ الشِّرْكِ إِلَى دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ. فَتَدُورُ رَحَى إِسْلَامِهِ وَإِيمَانِهِ عَلَى قُطْبِهَا الثَّابِتِ اللَّازِمِ.
وَأَيْضًا: فَإِنَّهُ جَعَلَ حُصُولَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الرِّضَا مَوْقُوفًا عَلَى كَوْنِ الْمَرْضِيِّ بِهِ رَبًّا- سُبْحَانَهُ- أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالتَّعْظِيمِ، وَأَحَقَّ الْأَشْيَاءِ بِالطَّاعَةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَجْمَعُ قَوَاعِدَ الْعُبُودِيَّةِ، وَيُنَّظِمُ فُرُوعَهَا وَشُعَبَهَا.
وَلَمَّا كَانَتِ الْمَحَبَّةُ التَّامَّةُ مَيْلَ الْقَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَى الْمَحْبُوبِ: كَانَ ذَلِكَ الْمَيْلُ حَامِلًا عَلَى طَاعَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ. وَكُلَّمَا كَانَ الْمَيْلُ أَقْوَى: كَانَتِ الطَّاعَةُ أَتَمَّ، وَالتَّعْظِيمُ أَوْفَرَ. وَهَذَا الْمَيْلُ يُلَازِمُ الْإِيمَانَ، بَلْ هُوَ رُوحُ الْإِيمَانِ وَلُبُّهُ. فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ أَعْلَى مِنْ أَمْرٍ يَتَضَمَّنُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْعَبْدِ، وَأَوْلَى الْأَشْيَاءِ بِالتَّعْظِيمِ، وَأَحَقَّ الْأَشْيَاءِ بِالطَّاعَةِ؟
وَبِهَذَا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ. كَمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ. وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْكُفْرِ- بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ- كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ».
فَعَلَّقَ ذَوْقَ الْإِيمَانِ بِالرِّضَا بِاللَّهِ رَبًا. وَعَلَّقَ وُجُودَ حَلَاوَتِهِ بِمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. وَلَا يَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ أَحَبَّ الْأَشْيَاءِ إِلَى الْعَبْدِ هُوَ وَرَسُولُهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْحُبُّ التَّامُّ، وَالْإِخْلَاصُ- الَّذِي هُوَ ثَمَرَتُهُ- أَعْلَى مِنْ مُجَرَّدِ الرِّضَا بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ: كَانَتْ ثَمَرَتُهُ أَعْلَى. وَهُوَ وَجْدُ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ. وَثَمَرَةُ الرِّضَا: ذَوْقُ طَعْمِ الْإِيمَانِ. فَهَذَا وَجْدُ حَلَاوَةٍ، وَذَلِكَ ذَوْقُ طَعْمٍ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَإِنَّمَا تَرَتَّبَ هَذَا وَهَذَا عَلَى الرِّضَا بِهِ وَحْدَهُ رَبًّا، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ عُبُودِيَّةِ مَا سِوَاهُ، وَمِيلِ الْقَلْبِ بِكُلِّيَّتِهِ إِلَيْهِ، وَانْجِذَابِ قُوَى الْمُحِبِّ كُلِّهَا إِلَيْهِ. وَرِضَاهُ عَنْ رَبِّهِ تَابِعٌ لِهَذَا الرِّضَا بِهِ. فَمَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا رَضِيَهُ اللَّهُ لَهُ عَبْدًا. وَمَنْ رَضِيَ عَنْهُ فِي عَطَائِهِ وَمَنْعِهِ وَبَلَائِهِ وَعَافِيَتِهِ: لَمْ يَنَلْ بِذَلِكَ دَرَجَةَ رِضَا الرَّبِّ عَنْهُ، إِنْ لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، وَبِنَبِيِّهِ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، فَإِنَّ الْعَبْدَ قَدْ يَرْضَى عَنِ اللَّهِ رَبِّهِ فِيمَا أَعْطَاهُ وَفِيمَا مَنَعَهُ، وَلَكِنْ لَا يَرْضَى بِهِ وَحْدَهُ مَعْبُودًا وَإِلَهًا. وَلِهَذَا إِنَّمَا ضَمِنَ رِضَا الْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَنْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَنْ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا: إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».